القسم في سورة القيامة

حلف سبحانه في سورة القيامة بأمرين:

1- يوم القيامة.

2- النفس اللوامة.

وقال: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ / وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ / أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ / بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ / بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ / يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾(1).

تفسير الآيات

اختلف المفسرون في كلمة ﴿لَا﴾ على أقوال(2):

الأوّل: انّ لا أقسم كلمة قسم وانّ العرب تزيد كلمة لا في القسم، كما قال امرؤ القيس:

لا وأبيك ابنة العامـري ** لا يدعي قـوم انّـي أفر

الثاني: انّ لا نافية، رد لكلام قد تقدّم، وجواب لهم، وذلك هو المعروف في كلام الناس في محاوراتهم، فإذا قال أحدهم: لا، واللّه ما فعلت كذا، قصد بقوله: ﴿لَا﴾ ردّ الكلام السابق، فهم لما أنكروا البعث، قيل لهم ليس الاَمر على ما ذكرتم، ثمّ أقسم بيوم القيامة وبالنفس اللوامة إنّ البعث حقّ.

الثالث: انّها للنفي، على معنى انّي لا أعظمه بأقسامي به حقّ إعظامه، فانّه حقيق بأكثر من هذا، وهو يستحق فوق ذلك.

فعلى المعنى الأوّل ﴿لَا﴾ زائدة، ولكنّه بعيد في كلام ربّ العزة، والمتعين أحد المعنيين الاَخيرين.

أمّا المقسم به:

فهو أمران:

أ- ﴿يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.

ب- ﴿النَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾.

أمّا الأوّل: فهو يوم البعث الذي يجمع اللّه فيه الناس على صعيد واحد، وإنّما سمّي يوم القيامة لأجل انّه يقوم به الحساب، قال سبحانه حاكياً عن إبراهيم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾(3) وانّه يوم يقوم به الاشهاد، قال سبحانه: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾(4) وانّه يوم يقوم فيه الروح، قال سبحانه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾(5)، وانّه يوم يقوم الناس لربّ العالمين، كما قال سبحانه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾(6)، إلى غير ذلك من الوجوه التي توضح وجه تسمية اليوم بالقيامة، وقد جاء يوم القيامة في القرآن سبعين مرّة، فلم تستعمل القيامة إلاّ مضافة إلى يوم.

وأمّا الثاني: أي النفس اللوامة صيغة مبالغة من اللوم، وهي عدل الاِنسان بنسبته إلى ما فيه لوم، يقال لمته فهو ملوم، قال سبحانه: ﴿فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم﴾(7) إلى غير ذلك من الآيات التي ورد فيها اللوم وما اشتق منه.

واختلف المفسرون في المراد من ﴿النَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ على أقوال:

الاَوّل: هي نفس آدم التي لم تزل تتلوّم على فعلها الذي خرجت به من الجنة والظاهر أنّ هذا القول من قبيل تطبيق الكلي على مصداقه، وليس هناك قرينة على أنّها، المراد فقط.

الثاني: مطلق النفس، إذ ليس من نفس برّة ولا فاجرة إلاّ وهي تلوم نفسها يوم القيامة إن كانت عملت خيراً قالت: هلا ازددت، وإن كانت عملت سوءاً قالت: يا ليتني لم أفعل.

الثالث: وربما تختص بالنفس الكافرة الفاجرة.

الرابع: عكس ذلك، والمراد نفس المؤمن التي تلومه في الدنيا على ارتكاب المعصية وتحفّزه على إصلاح ما بدا منه.

والظاهر أنّ القول الثاني هو المتعيّن، أي مطلق النفس التي تلوم صاحبها سواء أكان لأجل فوت الخير أو ارتكاب الشر.

وعلى كلّ حال فالآية تحكي عن المنزلة العظيمة التي تتمتع بها النفس اللوامة إلى حدّ أقسم بها سبحانه وإلاّ لما حلف بها.

وأمّا المقسم عليه فمحذوف أي لتُبْعثُنَّ.

وأمّا الصلة بين المقسم عليه أعني قوله: "لتبعثن" والحلف ﴿بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ فهي ظهور اللوم من هذه النفس يوم القيامة، فانّ نفس الكافر لا تلومه في الدنيا إلاّ قليلاً، في حين يتجلّـى اللوم ويتجسّد يوم القيامة أكثر فأكثر.

وأمّا كرامة النفس اللوامة فواضحة جداً، لأنّها تردع الإنسان عن اقتراف الذنوب، ولا يمكن خداعها، وهي يقظة تزجر الاِنسان دائماً بالنسبة إلى ما عمله وقصده.

إنّ إبراهيم لما حطّم الأصنام وجعلها جذاذاً إلاّ كبيراً لهم لعل القوم يرجعون إليه ويرتدعون عن عقيدتهم بإلوهيتها، فلمّا رجعوا ووقفوا على أنّه عمل إبراهيم أحضروه للاقتصاص منه، وخاطبوه بقولهم: ﴿أَأَنتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا﴾، فأجابهم إبراهيم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾، ثمّ أمرهم بسؤاله عن الجريمة التي ارتكبها، فبهُت الجمع من هذا السؤال وظلوا صامتين لعجزهم عن الاِجابة، فعندئذ تبين لهم أنّ مثل هذا الصنم أحط من أن يعبد، فاستيقظ وجدانهم وأخذت نفوسهم تلومهم على النهج الذي اختطوه، بل الآلهة التي عبدوها حيث وجدوا انّها غير خليقة بالعبادة والخضوع، وهذا ما يحكي عنه القرآن بقوله: ﴿فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي خاطبوا أنفسهم بالظلم، فكأنّه قال بعضهم لبعض أنتم الظالمون حيث تعبدون ما لا يقدر عن الدفع عن نفسه وما نرى الأمر إلاّ كما قال هذا الفتى.

هذه هي النفس اللوامة التي تظهر بين الحين والآخر وتزجر الاِنسان عن ارتكاب الذنوب.

وهذا الذي يسمّيه علم النفس في يومنا هذا بالوجدان الأخلاقي، ويصفون الوجدان محكمة لا تحتاج إلى قاض سوى النفس، وهي التي تقوم بتأسيس المحكمة، وتشخص المجرم، وتصدر الحكم بلا هوادة، ودون أي تهاون.

وفي الآيات القرآنية الأُخرى إشارة إلى تلك المرتبة من النفس، يقول سبحانه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا / فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾(8).

يقول الإمام الصادق في تفسير الآية: "بيّن لها ما تأتي وما تترك"(9).

إنّ اللوم والعزم فرع معرفة النفس بخير الأُمور وشرّها، فلو لم تكن عالمة من ذي قبل لم تصلح للوعظ ولا للزجر، ولأجل ذلك، يقول سبحانه: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ / وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ / وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾(10).

يقول الإمام الصادق (عليه السلام):"هداه إلى نجد الخير والشر"(11).

ثمّ إنّ مراتب الزجر تختلف حسب صفاء النفس وكدورتها وابتعادها عن ممارسة الشر، يقول الاِمام الصادق (عليه السلام): "إنّ اللّه إذا أراد بعبد خيراً طيّب روحه فلا يسمع معروفاً إلاّ عرفه ولا منكراً إلاّ أنكره"(12).

نعم، ما حباه اللّه سبحانه لكلّ إنسان من النفس اللوامة، كرامة ونعمة عظيمة، حيث يعرف على ضوئها الحسن من القبيح والخير من الشر، ولكنّه لو مارس الشرّ مدّة لا يستهان بها ربما تعوق النفس عن القضاء في الخير بالخير والشر بالشر، بل ربما يرى الشر خيراً والخير شراً، وذلك فيما إذا زاوله الاِنسان كثيراً بنحو ترك بصماته على روحه ونفسه وقضائه وتفكيره، وقد أشار سبحانه إلى أنّ قبح وأد البنات وقتل الأولاد -لأي غاية من الغايات كانت- أمر يدركه كلّ إنسان، ولكن ترى أنّ بعض المشركين يستحسن عمله هذا ويعدّه من مفاخره وكراماته، يقول سبحانه: ﴿وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾(13).

فقد أثر الشركاء في عقول الوثنيين وتفكيرهم فصار القبيح حسناً والشر خيراً، يقول سبحانه: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾(14).

وعلى هذا فليست النفس اللوامة باقية على صفاتها وقضائها الحق في جميع الظروف والحالات بل ربما يكون قضاوَها على خلاف ما هو الحقّ، لا سيما فيمن يزاول الجرم طيلة عمره، فربما يعود في آخر عمره يتنكر لجميع المقدسات ويسيطر فعله القبيح على آفاق فكره وإيمانه، يقول سبحانه: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾(15).

مراتب النفس في الذكر الحكيم

إنّ القرآن الكريم جعل للنفس الإنسانية مراتب:

1- النفس الأمّارة.

2- النفس اللوّامة.

3- النفس المطمئنة.

4- النفس الراضية المرضية.

وإليك وصف هذه المراتب بنحو موجز:

1- النفس الأمّارة

إنّ النفس بطبعها تدعو إلى مشتهياتها من السيئات، فليس للاِنسان أن يبرّئ نفسه من الميل إلى السوء، وإنّما له أن يكف عن أمرها بالسوء ودعوتها إلى الشر وذلك برحمة من اللّه سبحانه، يقول سبحانه نقلاً عن يوسف (عليه السلام): ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(16).

فما أبرأ يوسف نفسه عن أمرها بالسوء، وإنّما كفّها عن ارتكاب السوء، لأنّ النفس طبعت على حب الشهوات التي تدور عليها رحى الحياة.

والأخلاق جاءت لتعديل ذلك الميل، وجعلها في مسير السعادة وحفظها عن الاِفراط و التفريط، فالمادية نادت بالانصياع لرغبات اللّذات مهما أمكن، والرهبانية نادت بكبح جماح اللذات والشهوات والعزوف عن الحياة واللوذ في الكهوف والأديرة، ولكن الإسلام راح يدعو إلى منهج وسط بينهما، ففي الوقت الذي يدعو إلى أكل الطيّبات ويندّد بمن يحرّمها، ويقول: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾(17). يأمر بكبح جماح النفس عن ارتكاب المعاصي والسيئات التي توجب الفوضى في المجتمع وتسوقه إلى الانحلال الأخلاقي.

2- النفس اللوّامة

النفس اللوامة وهي الضمير الذي يؤنّب الإنسان على ما اقترفه من السيئات و الآثام خصوصاً بعد ما يفيق من سكراتها فيجد نفسه تنحدر في دوامة الندم على ما ارتكبه وإنابة إلى الحقّ، وهذا يدل على أنّ النفس ممزوجة بالميل إلى الشهوات، وفي الوقت نفسه فيها ميل إلى الحقّ والعدل، ولكلّ تجلّـي خاص، فانّ غلبة الشهوات يحول دون ظهور نور العقل فيقترف المعاصي والآثام، ولكنّه ما إن تخمد شهوته، حينها يصفو أمامه جمال الحياة وتنكشف مضرات اللّذة فتستيقظ النفس اللوامة وتأخذ باللوم والعذل إلى حد ربما تدفع بصاحبها إلى الانتحار، لعدم تحمله وطأة تلك الجريمة.

وهذه النفس حيّة يقظة لا تتصدع بكثرة الذنوب وإن كانت تضعف بممارستها.

3- النفس المطمئنّة

وهي النفس التي توصلها النفس اللوّامة إلى حد لا تعصف بها عواصف الشهوة، وتطمئن برحمة الرب وتحس بالمسؤولية الموضوعة على عاتقها أمام اللّه وأمام المجتمع، يقول سبحانه: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ / ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾(18) فصاحب هذه النفس يمتلئ بالسرور والفرح عند الطاعة وتجد في صميمها لذة للطاعة وحلاوة للعبادة لا يمكن وصفها بالقلم واللسان.

وبعبارة أُخرى: النفس المطمئنّة هي التي تسكن إلى ربها وترضى بما رضي به، فترى نفسها عبداً لا يملك لنفسه شيئاً من خير أو شر أو نفع أو ضر، ويرى الدنيا دار مجاز، وما يستقبله فيها من غنى أو فقر أو أي نفع وضر، ابتلاء وامتحاناً إلهياً، فلا يدعوه تواتر النعم عليه إلى الطغيان، وإكثار الفساد، والعلو والاستكبار، ولا يوقعه الفقر والفقدان في الكفر وترك الشكر، بل هو في مستقر من العبودية لا ينحرف عن مستقيم صراطه بإفراط أو تفريط(19).

وهناك كلمة قيمة للحكيم محمد مهدي النراقي حول واقع النفوس الثلاث، يقول:

والحقّ انّها أوصاف ثلاثة للنفس بحسب اختلاف أحوالها، فإذا غلبت قوتها العاقلة على الثلاثة الأُخر، وصارت منقادة لها مقهورة منها، وزال اضطرابها الحاصل من مدافعتها سمّيت "مطمئنة"، لسكونها حينئذٍ تحت الاَوامر والنواهي، وميلها إلى ملائماتها التي تقتضي جبلتها، وإذا لم تتم غلبتها وكان بينها تنازع وتدافع، وكلما صارت مغلوبة عنها بارتكاب المعاصي حصلت للنفس لوم وندامة سمّيت "لوامة". وإذا صارت مغلوبة منها مذعنة لها من دون دفاع سميت "أمّارة بالسوء" لأنّه لما اضمحلت قوتها العاقلة وأذعنت للقوى الشيطانية من دون مدافعة، فكأنّما هي الآمرة بالسوء(20).

4- النفس الراضية المرضية

وهي النفس المتكاملة الراضية من ربّها رضى الرب منها، واطمئنانها إلى ربّها يستلزم رضاها بما قدّر وقضى تكويناً أو حكم به تشريعاً، فلا تسخطها سانحة ولا تزيغها معصية، وإذا رضى العبد من ربّه، رضى الرب منه، إذ لا يسخطه تعالى إلاّ خروج العبد من زي العبودية، فإذا لزم طريق العبودية استوجب ذلك رضى ربّه ولذا عقب قوله: "راضية" بقوله: "مرضية".

قوله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي / وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ تفريع على قوله: ﴿ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ﴾ وفيه دلالة على أنّ صاحب النفس المطمئنّة في زمرة عباد اللّه حائز مقام العبودية، وذلك انّه لما اطمأنّ إلى ربّه انقطع عن دعوى الاستقلال ورضى بما هو الحقّ من ربّه فرأى ذاته وصفاته وأفعاله ملكاً طلقاً لربّه فلم يرد فيما قدر وقضى، ولا فيما أمر ونهى، إلاّ ما أراده ربّه، وهذا ظهور العبودية التامة في العبد، ففي قوله: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ تقرير لمقام عبوديتها.

وفي قوله: ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ تعيين لمستقرها، وفي إضافة الجنة إلى ضمير المتكلم تشريف خاص، ولا يوجد في كلامه تعالى إضافة الجنة إلى نفسه تعالى وتقدس إلاّ في هذه الآية(21). هذا كلّه حول المقسم به.

وأمّا المقسم عليه: فهو محذوف معلوم بالقرينة أي "لتبعثنّ" وإنّما حذف للدلالة على تفخيم اليوم وعظمة أمره، قال تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾(22) وقال: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ﴾(23)، وقال: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ / عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾(24)(25).

وأمّا وجه الصلة بين المقسم به والمقسم عليه، فواضح، فانّ الإنسان إذا بعث يوم القيامة يلوم نفسه لأجل ما اقترف من المعاصي، إذ في ذلك الموقف الحرج تنكشف الحجب ويقف الإنسان على ما اقترف من المعاصي والخطايا، فيندم على ما صدر منه قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾(26)، وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾(27).

وبالجملة فيوم القيامة يوم الندم والملامة، ولات حين مناص.

المصدر:

الأقسام في القرآن الكريم: الشيخ جعفر السبحاني


1- سورة القيامة / 1-6.

2- مرّ الكلام فيه أيضاً لاحظ ص81.

3- سورة إبراهيم / 41.

4- سورة غافر / 51.

5- سورة النبأ / 38.

6- سورة المطففين / 6.

7- سورة إبراهيم / 22.

8- الشمس / 7-8.

9- الكافي ج1 / ص163.

10- سورة البلد / 8-10.

11- الكافي ج1 / ص163.

12- اثبات الهداة ج1 / ص87.

13- سورة الاَنعام / 137.

14- سورة فاطر / 8.

15- سورة الروم / 10.

16- سورة يوسف / 53.

17- سورة الاَعراف / 32.

18- سورة الفجر / 27-28.

19- الميزان ج20 / ص285.

20- جامع السعادات ج1 / ص63-64.

21- الميزان: 20 / ص286.

22- سورة الأعراف / 187.

23- سورة طه / 15.

24- سورة النبأ / 1ـ2.

25- الميزان ج20 / ص104.

26- سورة يونس / 54.

27- سورة سبأ / 33.