مناقشة ادعاء نسخ آية: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم ..﴾
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾(1).
فعن ابن عباس وقتادة والسدي، أنها منسوخة بآية السيف.
واختاره أبو جعفر النحاس(2).
وآية السيف هو قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾(3).
والالتزام بالنسخ -هنا- يتوقف على الالتزام بأمرين فاسدين:
الأول: أن يكون ارتفاع الحكم الموقت بانتهاء وقته نسخا، وهذا واضح الفساد، فإن النسخ إنما يكون في الحكم الذي لم يصرح فيه لا بالتوقيت ولا بالتأييد.
فإن الحكم إذا كان موقتا -وإن كان توقيته على سبيل الإجمال- كان الدليل الموضح لوقته، والمبين لانتهائه من القرائن الموضحة للمراد عرفا، وليس هذا من النسخ في شيء.
فإن النسخ هو رفع الحكم الثابت الظاهر بمقتضى الإطلاق في الدوام وعدم الاختصاص بزمان مخصوص.
وقد توهم الرازي أن من النسخ بيان الوقت في الحكم الموقت بدليل منفصل وهو قول بين الفساد، وأما الحكم الذي صرح فيه بالتأييد، فعدم وقوع النسخ فيه ظاهر.
الثاني: أن يكون أهل الكتاب أيضا ممن أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقتالهم، وذلك باطل، فإن الايات القرآنية الامرة بالقتال إنما وردت في جهاد المشركين ودعوتهم إلى الايمان بالله تعالى وباليوم الاخر.
وأما أهل الكتاب فلا يجوز قتالهم إلا مع وجود سبب آخر من قتالهم للمسلمين، لقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾(4).
أو إلقائهم الفتنة بين المسلمين، لقوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾(5).
أو امتناعهم عن إعطاء الجزية للآية المتقدمة، وأما مع عدم وجود سبب آخر فلا يجوز قتالهم لمجرد الكفر، كما هو صريح الآية الكريمة.
وحاصل ذلك: أن الأمر في الآية المباركة بالعفو والصفح عن الكتابيين، لأنهم يودون أن يردوا المسلمين كفارا -وهذا لازم عادي لكفرهم- لا ينافيه الأمر بقتالهم عند وجود سبب آخر يقتضيه، على أن متوهم النسخ في الآية الكريمة قد حمل لفظ الامر من قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾(6).
على الطلب، فتوهم أن الله أمر بالعفو عن الكفار إلى أن يأمر المسلمين بقتالهم فحمله على النسخ.
وقد اتضح للقارئ أن هذا -على فرض صحته- لا يستلزم النسخ ولكن هذا التوهم ساقط، فإن المراد بالأمر هنا الأمر التكويني وقضاء الله تعالى في خلقه، ويدل على ذلك تعلق الاتيان به، وقوله تعالى بعد ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾(7).
وحاصل معنى الآية الأمر بالعفو والصفح عن الكتابيين بودهم هذا، حتى يفعل الله ما يشاء في خلقه من عز الإسلام، وتقوية شوكته، ودخول كثير من الكفار في الإسلام، وإهلاك كثير من غيرهم، وعذابهم في الاخرة، وغير ذلك مما يأتي الله به من قضائه وقدره.
المصدر:
البيان في تفسير القرآن: زعيم الحوزة العلمية سماحة آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي.
1- سورة البقرة / 109.
2- في كتابه الناسخ والمنسوخ ص26 طبع المكتبة العلامية بمصر.
3- سورة التوبة / 29.
4- سورة البقرة / 190.
5- سورة البقرة / 191.
6- سورة البقرة / 109.
7- سورة البقرة / 109.